الهزيمة والانتصار
بقلم : صدقي البيك
منذ القدم كانت وما زالت تنشب حروب بين الشعوب والأمم، ويكون في هذه الحروب من يبدأ بها مهاجما الآخر، وله من وراء ذلك أهداف سيئة أو حسنة، بعضها رئيسي معلن أو مبطن، وبعضها ثانوي، وكذلك تتولد أهداف لدى من يُعتدى عليه، سواء اتخذ موقف القتال دفاعا أو امتنع عنه استسلاماً، حسب قوته وضعفه، وهو في الحالتين حريص على تحقيق أهدافه هذه.
وفي حالة امتناعه عن القتال يكون قد حقق أهدافه حسب ظنه، ويكون العدو المهاجم قد حقق كل أهدافه يقيناً.
وأما إذا اختار القتال ونشبت الحرب بين الطرفين وانتهت، فهناك احتمالان لنتيجة الحرب:
1- فإذا تحققت أهداف المهاجِم فقد انتصر، واعتُبر المعتدى عليه خاسراً، مهما كثرت أو قلت تكاليف الحرب ونفقاتها المادية والبشرية، على كلا الطرفين.
2- وأما إذا لم تتحقق أهدافه الرئيسية من هجومه فهو خاسر، ولو لم يخسر مادياً أي شيء. وفي هذه النتيجة يكون الطرف المعتدى عليه منتصراً مهما كثرت تضحياته المادية والبشرية؛ لأنه كان من المحتمل أن يحقق العدو أهدافه على رغم بذل كل هذه التضحيات فتكون حينئذ الهزيمة من نصيب المعتدى عليه.
وعوامل الانتصار أو الهزيمة كثيرة، أهمها: قوة إيمان المقاتلين بأهدافهم التي يسعون إلى تحقيقها، وطاعة الجند لقادتهم في تنفيذ خطط القتال، والعدد، والعتاد، والتدرب، ورسم الخطط، و…فوجود هذه العوامل يؤدي إلى النصر، وانتفاؤها يؤدي إلى الهزيمة.
هذا من حيث الواقع البشري للحروب عبر التاريخ.
وإذا بحثنا في القرآن الكريم عن كلمات النصر والانتصار والغلبة والهزيمة، وجدنا عاملاً جديداً يساعد بشكل أساسي على النصر، وهو أن النصر من عند الله، وأن الله يؤيد بنصره من يشاء، و"إن ينصركم الله فلا غالب لكم". وهذا يعني أن عوامل النصر السابقة، قد تضطرب وتختل فلا تؤدي إلى ما كان يُتوقع منها، لوجود عوامل خافية على المعنيِّين، "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله"… ويبقى في الإسلام أنه لا بد من إعداد العدة والتدرب على استعمال السلاح " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم".
وإذا رغبنا في أن ندرك مفهوم النصر في الإسلام، وجدنا أن الله تعالى يضع مظهرين لنصر المؤمنين: مظهراً أخروياً، يتمثل في مكافأة كل من يشارك في القتال في سبيل الله سواء قتل أو لم يقتل في ذلك القتال "… يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم". وهذا النوع من النصر من نصيب المؤمن المقاتل سواء استشهد أو انتصر " ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل أو يَغلِب فسوف نؤتيه أجراً عظيما".
والمظهر الثاني للنصر دنيوي يحدده الله بقوله: " وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب…".
وإذا استعرضنا الأحداث والمعارك التي كافأ الله عليها المؤمنين بأحد هذين المظهرين من مظاهر النصر وجدنا:
1- نصراً من غير اشتباك حربي، يظهر في حادثتين هما:
أ- في سورة البروج، فقد غُلب المؤمنون على أمرهم واعتقلوا وسيقوا إلى الأخدود المؤجج بالنار، وقُذفوا فيه واحترقوا جميعا حتى الطفل الرضيع الذي أنطقه الله فقال لأمه: اصبري يا أماه فإنك على حق، ثم بيّن الله تعالى مكافأة المؤمنين الصامدين على إيمانهم الصابرين على هذا التعذيب والقتل" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير"، وبيّن عاقبة أعدائهم " …فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق". فأي تسلية وطمأنة وراحة نفس يجدها من يتعرض للتعذيب والقتل اللذين لا يقدر على دفعهما عن نفسه لضعفه أمام جبروت الطغاة أعظم من أن تبشره بأن له هذا الأجر الكبير!! إنه نصر أُخروي يتضاءل أمامه كل نصر دنيوي!
ب – أما الحدث الثاني الذي لم يصاحبه اشتباك حربي فقد كان أصرح، وفيه نصر دنيوي أيضاً سابق للنصر في الآخرة، وذلك في قول الله تعالى عن رسوله عليه السلام: "إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا …" فهذا نصر من غير مقاتلة عسكرية يشارك فيها الطرف المنتصر، ولا دم مراق ولا خسائر بشرية ومادية فادحة أو خفيفة!! فقد مكر المشركون بمحمد عليه السلام ليقتلوه وجهزوا من كل قبيلة أو فرع من قريش شاباً معه سيف ليضربوا محمدا ضربة رجل واحد فيقتلوه فيضيع دمه في القبائل… ويخرج النبي عليه السلام متخفياً ويلجأ إلى الغار … فأيده الله بنصره وبجنود لم تروها! فكانت هذه النجاة نصراً مؤزراً.
2- وهناك نصر حصل، بعد قتال اختلت فيه العوامل المادية للنصر من عَدد وعُدد وعتاد، وإيمان واقتناع بالأهداف، وكانت النتائج نصراً، كما وصفها الله تعالى:
أ- ففي بدر قال الله تعالى: " ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة…"، عدد قليل يقدر بثلث عدد المشركين، وقلة في العتاد لا تقبل الموازنة: فرسان وستون درعاً وسبعون جملاً في جيش المسلمين، مقابل ستين فرساً وستمائة درع ومئات الإبل في جيش المشركين، ومع كل هذا التفاوت في العدد والعتاد انتصر المسلمون، وقتلوا سبعين من المشركين وأسروا سبعين، واستشهد من المسلمين 14 رجلاً.
ب – وفي غزوة أحد، ومع اختلال التوازن في العدد والعتاد، تمكن المسلمون في بداية المعركة من هزيمة المشركين " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسّونهم بإذنه…"، ولكن التنازع وعصيان الرماة لأوامر الرسول قلب مجريات المعركة، فخسر المسلمون سبعين شهيداً مقابل 14 من المشركين. وقد وجب أن يخسر المسلمون بسبب عصيان بعضهم لأمر الرسول، فلو انتصروا مع هذا العصيان لما بقي أهمية لطاعة الرسول في ما يأمر؛ فعصيان أمر الرسول كان أكبر عامل في الهزيمة، وقد يقاس عليه عصيان أوامر قائد الجنود في المعارك، لأن التصرفات الفردية أو الفئوية قد تقلب النصر هزيمة.
جـ - وما جرى في غزوة حنين قريب من ذلك باختلاف النتائج؛ بسبب تبدل العوامل، فقد فوجئ المسلمون بكمين هوازن وبني هلال وبني عوف بن عامر، وكانوا قد أعجبتهم كثرتهم! فلم تغن عنهم شيئاً فولوا مدبرين، ولكن ثبات الرسول واستجابة الصحابة لندائه قلب مجريات المعركة، فصمدوا وقتلوا وأسروا وغنموا من العدو ما لا يحصى، وقال الله في ذلك: "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين..".
3- وهناك نصران للمسلمين تحققا مع قلة القتلى من المشركين:
أ- النصر في غزوة الأحزاب. فقد تجمعت قوى قريش وغطفان وبني قريظة وقيادة بني النضير من اليهود وحاصروا المدينة " إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا. هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً"، ويئس المنافقون وأرجفوا. أما المؤمنون، فعلى رغم الضائقة والشدة التي كانوا فيها، "قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليما" وهذا الإيمان والثبات والثقة بنصر الله هي عوامل النصر الأساسية؛ لذلك جزى الله الصادقين بصدقهم " ورد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال"، " وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا". وتحقق هذا النصر مع أن الشهداء كانوا ستة والقتلى من المشركين كانوا ثلاثة! وقد عبر الرسول عليه السلام عن هذا النصر بقوله: الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم.
ب- وكذلك كان فتح مكة، مع قلة عدد القتلى، نصراً عظيماً ذكره الله تعالى بقوله: "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا".
وقد ذكر الله تعالى أن النصر الذي كان يؤيد به رسوله والمؤمنين، كان يسبقه ضائقة شديدة وزلزلة عظيمة وبأساء وضراء فقال: " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا" وقال: " فصبروا على ما كُذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا" و"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب" فما كان النصر يأتي إ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ